ابن الجوزي

160

زاد المسير في علم التفسير

اللغة : فتح المنغلق ، والصلح الذي جعل مع المشركين بالحديبية كان مسدودا متعذرا حتى فتحه الله تعالى . الإشارة إلى قصة الحديبية روت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في النوم كأن قائلا يقول له : لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين ، فأصبح فحدث الناس برؤياه ، وأمرهم بالخروج للعمرة ، فذكر أهل العلم بالسير أنه خرج واستنفر أصحابه للعمرة ، وذلك في سنة ست ، ولم يخرج بسلاح إلا السيوف في القرب . وساق هو وأصحابه البدن ، فصلى الظهر ب‍ " ذي الحليفة " ، ثم دعا بالبدن فجللت ، ثم أشعرها وقلدها ، فعل ذلك أصحابه ، وأحرم ولبى ، فبلغ المشركين خروجه ، فأجمع رأيهم على صده عن المسجد الحرام ، وخرجوا حتى عسكروا ب " بلدح " ، وقدموا مائتي فارس إلى كراع الغميم ، وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دنا من الحديبية ، قال الزجاج : وهي بئر ، فسمي المكان باسم البئر ، قالوا : وبينها وبين مكة تسعة أميال ، فوقفت يدا راحلته ، فقال المسلمون : حل حل يزجرونها ، فأبت فقالوا : خلأت القصواء - والخلاء في الناقة مثل الحران في الفرس - فقال : " ما خلأت ، ولكن حبسها حابس الفيل ، أما والله لا يسألوني خطة فيها تعظيم حرمة الله إلا أعطيتهم إياها " ، ثم جرها فقامت ، فولى راجعا عوده على بدئه حتى نزل على ثمد من أثماد الحديبية قليل الماء ، فانتزع سهما من كنانته فغرزه فيها ، فجاشت لهم بالرواء ، وجاءه بديل بن ورقاء في ركب فسلموا وقالوا : جئناك من عند قومك وقد استنفروا لك الأحابيش ومن أطاعهم ، يقسمون ، لا يخلون بنيك وبين البيت حتى تبيد خضراءهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لم نأت لقتال أحد إنما جئنا لنطوف بهذا البيت ، فمن صدنا عنه قاتلناه " . فرجع بديل فأخبر قريشا ، فبعثوا عروة بن مسعود ، فكلمه بنحو ذلك ، فأخبر قريشا ، فقالوا : نرده من عامنا هذا ، ويرجع من قابل فيدخل مكة ويطوف بالبيت ، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان ، قال : " اذهب إلى قريش فأخبرهم أنا لم نأت لقتال أحد ، وإنما جئنا زوارا لهذا البيت ، معنا الهدي ننحره وننصرف ، فأتاهم فأخبرهم ، فقالوا : لا كان هذا أبدا ، ولا يدخلها العام ، وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عثمان قد قتل ، فقال : " لا نبرح حتى نناجزهم " ، فذاك حين دعا المسلمين إلى بيعة الرضوان ، فبايعهم تحت الشجرة . وفي عددهم يومئذ أربعة أقوال : أحدها : ألف وأربعمائة ، قاله البراء ، وسلمة بن الأكوع ، وجابر ، ومعقل بن يسار . والثاني : ألف وخمسمائة ، روي عن جابر أيضا ، وبه قال قتادة . والثالث : ألف وخمسمائة وخمس وعشرون ، رواه العوفي عن ابن عباس . والرابع : ألف وثلاثمائة ، قاله عبد الله بن أبي أوفى . قال : وضرب يومئذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بشماله على يمينه لعثمان ، وقال : إنه ذهب في حاجة الله ورسوله ، وجعلت الرسل تختلف بينهم ،